موعدٌ صباحي مع طائر العقعق في بللحمر: لقاءات حلوة مُرّة مع أحد أندر الطيور في العالم

في أحد صباحات يناير، وصلت قُبيل شروق الشمس إلى قرية صغيرة في الشمال الغربي من بللحمر، الواقعة في مرتفعات منطقة

عسير.


وحين بدأ شعاع الشمس يتسلَّل من الشرق، ظهرت أربعة من طيور العقعق على حين غرَّة، لتحلِّق بقربي في طريقها باتجاه القرية. لقد كان العقعق العسيري هو الهدف من رحلتي الصباحية هذه، فهو أحد أندر الطيور في العالم، وتعداده لا يتجاوز 100 زوج قادر على التكاثر. وينتمي هذا الطير إلى الغرابيات، فصيلة الطيور الذكية المعروفة، التي تتضمَّن الغراب والقيق وأبو زريق.

مشاهدات نادرة

ومنذ زمن طويل، كان العقعق الأوراسي واسع الانتشار، والمعروف باسم (بيكا بيكا)، مألوفًا لدى غرب أوروبا. لكن العقعق العسيري، الذي اعتقد الناس لزمن طويل أنه جماعة معزولة من العقعق الأوراسي، هو في الحقيقة نوع منفصل يستوطن مرتفعات الجنوب الغربي من المملكة، ممَّا يعني أن هذا الطائر النادر لا يمكن العثور عليه في أي مكان آخر في العالم.


وكان انتشار العقعق العسيري يمتدُّ حتى الطائف شمالًا، وحتى جبل القهر في جازان جنوبًا. ومن المؤسف أن انتشاره قد تقلَّص بشكل كبير خلال العقود القليلة الماضية. وفي السنوات الأخيرة، لم تُشاهد هذه الطيور بشكل منتظم نوعًا ما إلا في مناطق محدودة من الموطن البيئي المناسب لها، الذي يمتد من النماص في الشمال، وحتى بللسمر جنوبًا. ويُشتبه في أن هذه الطيور قد اختفت تمامًا من معاقلها القديمة قرب أبها، مثل جبل السودة.


لكن المشاهدات النادرة للعقعق في الباحة ترجح احتمالية وجوده خارج مدى انتشاره المعروف حاليًا، وكانت الطيور الأربعة التي أزعجتها في بداية الصباح قد حطَّت رحالها في مكان ما بين الأغصان الكثيفة في الوادي. وبعد فترة وجيزة، أصبحت أسمعها عن بُعد في الاتجاه الذي يعيد إلى القرية، وهي تُطلق نداءها المميز: "آك آك آك"، الذي اكتسبت منه اسمها العربي (العقعق). انطلقت باتجاهها في مسار متعرج بين الأشجار، ثمَّ نظرت في اتجاه المكان الذي كنت قد أوقفت فيه سيارتي، فرأيتها مجتمعة فوق شجرة بحذاء السيارة، فتعقَّبتها بهدوء على أمل ألا أخيفها.

طائران ضمن مجموعة من طيور العقعق، بدا أنهما يُراقبان الآخرين أثناء قيامهما بالتغذي، ما يرجِّح أنهما طائران صغيران في العمر

دراساتٌ شحيحة

عندما وصلت إلى هناك، وجدت أن طيور العقعق قد رحلت. لذا غامرت بالعودة إلى القرية حيث من المُحتمل أن ألتقي بها مجددًا. لم يكن عليَّ أن أذهب بعيدًا، فبمجرد أن وصلت إلى الطريق الرئيس وانعطفت يسارًا، استطعت اقتفاء إحدى الطيور وهو يتغذى على حافة الطريق، فيما سمعت البقية تتبادل نداءاتها على مسافة ليست بالبعيدة. توقفت وبدأت بتصوير الطائر.


بعد ذلك بوقت قصير، جاءت الطيور لتتغذَّى في حقل حُرث سطحه مؤخرًا، فيما استمر ذلك الطائر، أو ربما غيره، في إطلاق الأصوات. بدا الصوت أكثر حدة، وبدا أن الطائر كان يراقب طائرًا آخر وهو يقلب التربة بمنقاره القوي، ويدسُّه وسط الطين الناعم. توقعت حينها أن مجموعة الطيور هذه قد تضمُّ بينها طيورًا صغيرة تتعلم طريقة التغذي من طيور أكثر خبرة، أو ربما أنها مجموعة مؤلفة من أبوين برفقة فراخهما.


واصلت مسيري نحو بقعة ثانية، انتهت بي إلى أقصى الحافة عند منحدر شاهق. استطعت في غضون ذلك أن أعثر على أربعة أفراد

أخرى من طيور العقعق، ليصل مجموع ما عثرت عليه إلى 14 طيرًا، وهو أكبر عدد كنت قد صادفته خلال زيارة واحدة لمنطقة عسير.

الإطلالة من على حافة جبال السروات بالقرب من بللحمر

الانقراض إلى الأبد

بعد ستة أشهر من رحلة الرصد تلك، اصطحبت زوجتي وصديقي آدم إلى بللحمر لرؤية العقعق العسيري. وعلى الرغم من أننا نجحنا في رصد طيرين في آخر بقعة صادفت فيها تلك الطيور خلال الزيارة السابقة، إلا أننا لم نستطع إيجاد المجموعة الأكبر التي عثرت عليها قرب القرية في أي مكان.


ساورني القلق إزاء احتمال أن شيئًا ما قد حدث لها، لكنني عمدت إلى طمأنة نفسي باحتمال أنها تتغذى في مكان آخر. ولكن من يدري؟ ففي نهاية الأمر، هل الانقراض إلا اختفاء مفاجئ وغير متوقع ولا رجعة فيه؟ هل هو إلا صمت مفاجئ يسود الأمكنة التي دوَّت فيها نداءات العقعق ذات مرة؟


مع مخاوف الباحثين من أن أعداد العقعق سوف تستمر في الانخفاض، ومع تسبب الإنسان في عديد من المخاطر البيئية التي تهدِّد بقاء هذا النوع على المدى الطويل، فإن اليوم الذي قد ينقرض فيه هذا الطائر ربما يكون أقرب بكثير مما نتخيل، إذا لم نفعل شيئًا بشأن ذلك في الحال. الانقراض يحدث إلى الأبد؛ فأنقذوا العقعق العسيري!


[تمت ترجمتها ونشرها في الأصل في أرامكو لايف 3/17/2021]